سجل ثقيل من الانتهاكات
تُظهر توثيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن أبرز أنماط الانتهاكات المنسوبة إلى تنظيم “قسد” بحق الأطفال تتركز في عدة مسارات متوازية، ذات أثر تراكمي بالغ على حقوق الطفل وحمايته، وتشمل هذه الأنماط تجنيد القاصرين وإدماجهم في هياكل مسلّحة، ما يحوّلهم من أصحاب حق في الحماية الخاصة إلى أطراف معرّضة للاستغلال والخطر، إضافة إلى سقوط أطفال قتلى أو جرحى نتيجة العمليات العسكرية، التي ترافقت مع تهديدات إضافية كالألغام ومخلّفات الحرب، بحسب عبد الغني.
كما أن الاعتداء على مرافق مدنية أساسية، كالمؤسسات التعليمية والمنشآت الطبية، يقوّض بشكل مباشر حق الأطفال في التعليم والرعاية الصحية، ويُضعف منظومات الحماية المجتمعية التي كان يُفترض أن تعمل على تقليص قابلية الأطفال للانتهاك والاستغلال.
وعلى نحو أكثر تحديداً، أشار عبد الغني إلى أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثّقت 701 حادثة تجنيد أطفال على يد “قسد” منذ آذار 2011 وحتى 20 تشرين الثاني 2024، كما أن التنظيم مسؤول عن مقتل 260 طفلاً منذ نشأته، إلى جانب توثيق هجمات طالت ما لا يقل عن 37 مدرسة و12 منشأة طبية حتى 20 تشرين الثاني 2023.
وأوضح أن توثيقات الشبكة تشير أيضاً إلى تعرّض الأطفال للاعتقال أو الاحتجاز التعسفي في سياق حملات أمنية. وما يفاقم خطورة هذا النمط هو وقوعه في حالات عديدة دون أوامر قضائية واضحة، أو دون تمكين فعلي من الاتصال بالعائلة أو الحصول على مساعدة قانونية، بما يخلق بيئة عالية القابلية لإطالة الحرمان من الحرية، وتقويض الضمانات الأساسية التي تُعد جوهرية عند التعامل مع القاصرين.
تحويل الأطفال إلى أدوات حرب
أوضحت مديرة توثيق الانتهاكات في الشبكة السورية لحقوق الإنسان، نور عربو، أن ما جرى توثيقه خلال السنوات الماضية يكشف عن سياسة ممنهجة اتبعها تنظيم “قسد” في ملف الأطفال، ولا سيما في ما يتعلق بتجنيدهم قسرياً واستخدامهم ضمن تشكيلاته العسكرية، تحت إشراف مباشر من ميليشيات PKK الإرهابية.
وبيّنت أن ما تُسمّى “وحدات حماية الشعب”، التي تأسست عام 2012، لم تكتفِ بتجنيد الأطفال في نطاق محدود، بل وسّعت هذه الممارسات بشكل كبير مع اتساع مناطق سيطرتها، لتشمل معظم الجغرافيا الخاضعة لها، ما جعل الأطفال جزءاً أساسياً من بنيتها العسكرية، في انتهاك واضح وصريح للقوانين الدولية.
ولفتت إلى أن توثيقات الشبكة تشير إلى أنه خلال الفترة الممتدة بين 8 كانون الأول 2024 و23 كانون الثاني 2026، قُتل 204 مدنيين في مناطق كانت خاضعة لسيطرة التنظيم، بينهم 24 طفلاً و19 امرأة، إضافة إلى توثيق ما لا يقل عن 819 حالة اعتقال تعسفي، و15 حالة تعذيب وسوء معاملة، معتبرة أن هذه الأرقام تعكس حجم الانتهاكات، وتؤكد الحاجة الملحّة إلى المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
وأكدت أن انتقال السيطرة إلى الحكومة السورية يعني تحمّلها مسؤولية قانونية مباشرة في التحقيق بالانتهاكات السابقة، وصون الأدلة، ومنع الإفلات من العقاب، ويُلزمها القانون الدولي بإجراء تحقيقات فورية ومستقلة وفعّالة في حالات الوفاة والانتهاكات الجسيمة، والتعامل مع مراكز الاحتجاز بوصفها مسارح جريمة، مع الحفاظ على سلسلة حيازة الأدلة، كما تفرض الصكوك الدولية الاحتفاظ بسجلات دقيقة، والإبلاغ عن حالات الوفاة والتعذيب، وحفظ جميع المواد الإثباتية اللازمة للمساءلة القضائية الوطنية والدولية.
كما دعت عربو الحكومة السورية إلى تأمين جميع مراكز الاحتجاز التي كان يسيطر عليها تنظيم “قسد” وأصبحت الآن تحت سيطرة الحكومة بصورة فورية، عبر نشر أفراد أمن مدرَّبين لإنشاء نطاقات حماية مادية، وتطبيق بروتوكولات دخول صارمة تشترط تصاريح مكتوبة وتوثيقاً كاملاً.


