“الأسد أو نحرق البلد”.. لم يكن تعبيرًا مجازيًا أطلقه جنود بشار الأسد وموالوه حماسةً وانتهى، بل كان سياسةً حقيقيةً اتّبعوها ضد أي منطقة عارض أهلها الأسد، ليستخدموا معها مختلف أنواع الأسلحة ويذيقوها ويلات الجوع والحصار، ويصبح الانتماء لها تهمةً تستوجب الاعتقال والإخفاء القسري أو الإعدام ميدانيًا.
وهذا ما يفسّر مقتل نحو 203 آلاف مدني على يد قوات نظام الأسد والميليشيات التابعة له، حسب توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، منذ مارس/ آذار 2011، إذ لم يكن سقوط هذا العدد من الضحايا أمرًا جانبيًا خلّفته الحرب في طبيعة الحال، بل كان المدنيون هدفًا في حد ذاتهم، حيث لاحقتهم البراميل والصواريخ والقذائف إلى أسواقهم وجامعاتهم ومستشفياتهم ومنازلهم.
مواجهة الحناجر بالبنادق
ما إن ثار الشعب السوري واندلعت الاحتجاجات في محافظة درعا ضد النظام الحاكم بتاريخ 18 مارس/ آذار 2011 حتى واجهتها قوات نظام الأسد بالرصاص الحي، ليشهد ذلك اليوم إراقة أول دم في الثورة السورية بمقتل محمود جوابرة.
ستمرت قوات النظام في مواجهة المظاهرات بالرصاص، لتقتل آلاف المحتجين وترتكب المجازر في مختلف المحافظات السورية، ومن أبرزها ارتكاب مجزرة جمعة أطفال الحرية في مدينة حماة، يوم الجمعة 3 يونيو/ حزيران 2011، حيث فتحت قوات الأمن الرصاص على عشرات آلاف المتظاهرين خلال محاولتهم الوصول إلى ساحة العاصي الواقعة في مركز المدينة، لتقتل 65 مدنيًا وتصيب عددًا كبيرًا من المتظاهرين بجراح، حسب توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
سياسة الأرض المحروقة.. عندما يكون القتل غاية
رغم وجود مبرر في عُرف “الدولة” لاستخدام السلاح ضد من تصفهم بأنهم “جماعات مسلحة” خارجة عن نطاق القانون، إلا أن الأمر في سوريا كان مختلفًا، إذ لم يكن هدف قوات نظام الأسد مواجهة فصائل المعارضة المسلحة فحسب، بل إلحاق أوسع دمار ممكن وقتل أكبر عدد ممكن وتشريد أعظم عدد ممكن في كل منطقة خرجت عن سيطرة النظام.
ودليل ذلك اتباعها سياسة الأرض المحروقة مرارًا وتكرارًا، عبر قصف المدن والبلدات بأسلحة ذات تأثير عشوائي غير دقيق، من قذائف وصواريخ وقنابل عنقودية وبراميل متفجرة، حيث ألقت قوات نظام الأسد نحو 82 ألف برميل متفجر على مختلف المحافظات السورية، متسببةً بمقتل ما يزيد عن 11 ألف مدني، كما نفّذت 252 هجومًا بذخائر عنقودية، ما أدى إلى مقتل 835 شخصًا، حسب توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
الموت القادم من الأرض
اعتمدت قوات نظام الأسد على زراعة الألغام عند خطوط التماس مع أطراف النزاع الأخرى، لإفشال أي محاولة تسلل نحو مناطق سيطرتها، إلا أنها لم تكن وحدها في استخدام هذا السلاح، وإنما استخدمته جميع الأطراف لذات الغرض، إلا أن الألغام لا تفرّق بين مدني ومسلّح، لذلك راح ضحيتها نحو 3521 مدنيًا وأصيب ما يزيد عن 10 آلاف مدني بجراح متفاوتة، منذ مارس/ آذار 2011 وحتى نهاية عام 2024، حسب توثيق الشبكة السورية.
قتل حصار الغوطة الشرقية في ريف دمشق، ما لا يقل عن 397 مدنيًا، بينهم 206 أطفال، و67 سيدة بسبب الجوع ونقص الدواء تحديدًا، في الفترة الممتدة من أكتوبر/ تشرين الأول 2012 حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2017، حسب توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
سلاح ردع الأعداء لخنق الأبرياء
تسعى الدول من خلال امتلاكها السلاح الكيماوي لأن تلوّح به كسلاح استراتيجي رادع للأعداء، لكن نظام الأسد لم يستخدمه لهذا الغرض أبدًا، وقد استبيحت الأراضي السورية من إسرائيل وأميركا وغيرهما على مدار السنوات الماضية، بل أراد من خلاله أن يخنق سكّان المناطق الخارجة عن سيطرته، حيث استخدمه 217 مرة وراح ضحيته 1514 شخصًا، فيما أصيب 11 ألفًا و80 شخصًا، حسب توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
لم يكن الهدف من الإخفاء القسري هم المعتقلون فقط، بل كان لمحاربة ذويهم بهم، ودليل ذلك أن عدد المختفين قسريًا على يد قوات نظام الأسد لم يكن محدودًا أو استثناءً، بل تجاوز 115 ألفًا من أصل نحو 136 ألف معتقل، أي أن النسبة الساحقة من المعتقلين هم مختفون قسرًا، وهذا في الحد الأدنى الذي استطاعت توثيقه الشبكة السورية لحقوق الإنسان.


