أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اليوم الخميس، تقريرًا بعنوان “انتهاكات الملكية بحق النساء في سوريا منذ عام 2011: أنماط الاستيلاء وأثرها على النساء في سياق النزاع والمرحلة الانتقالية”، سلّطت فيه الضوء على الانتهاكات التي تعرّضت لها النساء في ما يتعلق بحقوق الملكية خلال سنوات النزاع.
وأكدت الشبكة أن سقوط نظام الأسد السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 لم يؤدِّ تلقائيًا إلى استعادة الحقوق المسلوبة، بل كشف عن تحديات جديدة تتعلق بتعقيد الإجراءات القانونية، وارتفاع تكاليف التقاضي، وغياب آليات فعّالة لردّ الحقوق وجبر الضرر.
واعتمد التقرير على 35 شهادة لنساء من محافظات سورية مختلفة، جُمعت بين كانون الثاني/يناير 2025 وآذار/مارس 2026، ضمن عشرات الشهادات التي وثقتها الشبكة من ضحايا وشهود.
وقسّم التقرير الانتهاكات إلى ثلاثة محاور رئيسية، شملت الاعتداءات المباشرة على الملكية، والإجراءات القانونية والإدارية التعسفية، إضافة إلى العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في تكريس التمييز ضد النساء.
وأوضح التقرير أن النساء فقدن ممتلكاتهن نتيجة التهجير القسري، والقصف والتدمير الواسع أو المتعمد للمنازل، وتحويل الممتلكات المدنية إلى استخدامات عسكرية، فضلًا عن الحجز الاحتياطي والتنفيذي والمصادرة التعسفية.
كما وثّق مصادرة الممتلكات على خلفية الاحتجاز أو الانتماء السياسي الفعلي أو المفترض لأفراد الأسرة، إلى جانب نزع الملكية عبر قوانين استثنائية ومشروعات تنظيم عمراني قسرية، وفقدان الوثائق الرسمية، والتلاعب بالسجلات العقارية، وصعوبة الوصول إلى القضاء، إضافة إلى النزاعات المتعلقة بالإرث والابتزاز المالي الذي تعرضت له نساء مقابل الاحتفاظ بممتلكاتهن أو التصرف بها.
وأشار التقرير إلى أن هذه الانتهاكات تفاقمت بسبب واقع قانوني واجتماعي سابق للنزاع، حيث كانت غالبية العقارات تُسجّل بأسماء الأزواج أو الآباء أو الأقارب الذكور، ما جعل النساء في موقف قانوني هش بعد اعتقال هؤلاء أو اختفائهم قسريًا أو مقتلهم أو تهجيرهم.
كما أن انخفاض نسبة تسجيل النساء مالكاٍت للعقارات قبل عام 2011، نتيجة الأعراف الاجتماعية والتبعية الاقتصادية وضعف الوعي القانوني، زاد من حجم الخسائر التي تعرضن لها.
وبيّن التقرير أن النظام السابق استخدم القوانين والمحاكم الاستثنائية كوسيلة للاستيلاء على الممتلكات، مستندًا إلى قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012 والمرسوم التشريعي رقم 63 للعام نفسه، اللذين أتاحا لمحكمة قضايا الإرهاب إصدار قرارات بالحجز والمصادرة دون ضمانات المحاكمة العادلة.
كما استُخدمت تشريعات مثل القانون رقم 10 لعام 2018 والمرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 لفرض شروط زمنية وإجرائية صعبة لإثبات الملكية، ما أدى إلى فقدان كثير من المهجرين واللاجئين لعقاراتهم.
وأضاف التقرير أن العديد من النساء اللواتي تمكنّ من استعادة ممتلكاتهن بعد سقوط النظام السابق وجدنها مدمرة أو متضررة بشكل كبير، الأمر الذي يتطلب تكاليف ترميم تفوق إمكاناتهن المالية.
وفي الجانب القانوني، استند التقرير إلى مجموعة من الاتفاقيات والمعايير الدولية، من بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، إضافة إلى قواعد القانون الدولي الإنساني ومبادئ بينيرو الخاصة برد المساكن والممتلكات للاجئين والنازحين.
واعتبر أن بعض الأنماط الموثقة قد ترقى، عند توافر أركانها القانونية، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي.
ودعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان السلطات السورية إلى إنشاء هيئة وطنية مستقلة مختصة برد الممتلكات وتسوية النزاعات العقارية، تتمتع بصلاحيات قضائية وإدارية، وتعتمد وسائل مرنة لإثبات الملكية، مثل شهادات الشهود والصور الفضائية والسجلات البلدية والضريبية، مع الاستفادة من تجارب دولية مماثلة في البوسنة والهرسك وكوسوفو والعراق.
كما طالبت بتوسيع نطاق مرسوم إلغاء الحجز الاحتياطي الصادر في أيار/مايو 2025 ليشمل قرارات الحجز التنفيذي الصادرة عن المحاكم الاستثنائية، وإلغاء القانون رقم 10 لعام 2018، ومراجعة المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012، وإلغاء قانون إدارة واستثمار الأموال المصادرة الصادر عام 2023، إضافة إلى سحب التحفظات السورية على اتفاقية “سيداو”، ولا سيما المتعلقة بالمادة 16 الخاصة بالمساواة في شؤون الأسرة والملكية.
وعلى المستوى الدولي، دعت الشبكة المفوضية السامية لحقوق الإنسان ولجنة القضاء على التمييز ضد المرأة ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا إلى منح انتهاكات حقوق الملكية بحق النساء مساحة أكبر في تقاريرها، كما طالبت وكالات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، بتقديم الدعم الفني والقانوني للسلطات السورية، وتمويل برامج المساعدة القانونية المجانية للنساء المتضررات.
كذلك ناشدت الدول التي تعتمد مبدأ الاختصاص القضائي العالمي إدراج قضايا المصادرة الممنهجة والتدمير المتعمد للممتلكات والتلاعب بالسجلات العقارية ضمن ملفات التحقيق الخاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مع تسهيل مشاركة الضحايا والشهود اللاجئين في آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM). كما دعت الجهات المانحة إلى تخصيص تمويل لإنشاء هيئة مستقلة لرد الممتلكات، وربط أي برامج لإعادة الإعمار بضمانات حقيقية تكفل احترام حقوق الملكية.


